الشيخ محمد رشيد رضا

91

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بالملك ( بالضم ) لأنه يطلق عليه تجوزا ، وهو خطأ منهم لان هذا التجوز لا مسوغ له ، ولا يصح في كل الآيات التي ورد فيها اللفظ ، والمعنى الحقيقي أبلغ منه وأعم ، فإنه يدل على المعنى المجازي وزيادة إذ ليس لكل ملك في الأرض عرش حقيقي هو المركز الوحيد لتدبير كل شيء فيه . فالعرش العظيم يدل على الملك العظيم وعلى وحدة النظام والتدبير فيه ، ولفظ : الملك العظيم لا يدل على هذا ، لاحتمال وجود الخلل فيه وكون تدبيره ليس له مرجع وحدة تكفل النظام ، وتمنع الخلل والفساد ، ونظار المتكلمين ومفسروهم يتأولون العرش والاستواء عليه فرارا من التشبيه الذي يستلزمه بزعمهم المبني على قياس عالم الغيب على عالم الشهادة ، وقياس الخالق على المخلوق ، وهو قياس باطل باجماعهم ، وقال ابن عباس سمي العرش عرشا لارتفاعه ، وفي الدر المنثور روايات في وصف العرش ومادته هي من الإسرائيليات لا يصح فيها شيء مرفوع . ونختم تفسير الآيتين بتحقيق مسألتين ذكرتا في تفسيرهما المأثور ولم نر أحدا حققهما : الأولى ما ورد في كتابة الآيتين عن النبي صلى الله عليه وسلم وكونهما آخر ما نزل إن معنى هاتين الآيتين لا يظهر إلا في دعوته صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الاسلام بمكة في أول زمن البعثة . وقد ذكرت في الكلام على هذه السورة قبل البدء بتفسيرها ان ابن أبي الفرس قال إنهما مكيتان ، وأنه يرد قوله ما ورد من أنهما آخر ما نزل من القرآن ، ثم ذكرت هنالك أصح ما ورد في آخر ما نزل من القرآن وهو غير هاتين الآيتين . وأقول الآن إن قول ابن أبي الفرس هو الوجيه من جانب المعنى فهو يؤيد الرواية وأما القول بأنهما آخر ما نزل فقد أخرج في بعض المسانيد والتفاسير المأثورة عن أبي بن كعب بألفاظ متقاربة ( منها ) عن ابن عباس عنه : ان آخر آية أنزلت على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وفي لفظ ان آخر ما انزل من القرآن ( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) الخ الآية ( ومنها ) عن الحسن عنه انه كان يقول : إن احدث القرآن عهدا باللّه - وفي لفظ بالسماء - هاتان الآيتان ( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) الخ السورة ( ومنها ) من طريق أبي العالية عنه انهم جمعوا القرآن في مصحف في